تعقيب على أقوال ولد السالم حول أنساب “شرفاء تشيت”
نواكشوط / موريتانيا
إن أول ما ينبغي للباحث والعالم والمؤرخ المنصف خصوصا من يتسور على التاليف وتعليم الأجيال أن يجعل نصب عينه وأكبر مبتغاه البحث عن الحقيقة وتمحيص الرويات والالتزام بدلالة النصوص في ضوء العرف اللغوي والمنطق العقلي حتى يستفرغ جهده في طلب الحقيقة بعيدا عن التسرع والأحكام الجزافية المتعسفة فيكون بذلك قد نصح الأمة ووفى العلم حقه وتبرأ من خيانة الأجيال وتخليد الأفكار والمزاعم الواهية في بطون الكتب.
ويبدو أن أخانا الكريم الأستاذ حماه الله بن السالم لم يلتزم بهذا المنهج ولا سلك طريق التثبت والأمانة العلمية في كتابه المعنون:”تاريخ موريتانيا ..العناصر الأساسية..” ومن بين الأخطاء الكبيرة الجوهرية التي وقع فيها ما ذكره في صفحة 41من أن مدينة كومبي صالح الواقعة في شرقي موريتانيا والتي كانت عاصمة لمملكة غانا أسسها أحد أجداد شرفاء تشيت من ذرية الشريف صالح الاخيضري من ذرية موسى الجون الإدريسي وطنا اهـ
لقد طالعنا الأستاذ بحكمين قاطعين أحدهما: أن مدينة كومنبي صالح من بناء الشريف صالح والثاني :أن الشريف المذكور هو من أجداد شرفاء تشيت المعروفين.
لقد ساق الأستاذ هذين الحكمين سياق الحقيقة الثابتة التي لا يتطرقها شك أو احتمال مع انه ليس لهما نصيب من الصحة والثبوت وإنما يدخلان في حيز الوهم وأحاديث السمر..وترتيبات الفهم السقيم المبني على الإسقاط والانخداع بأدنى إشارة وأول خاطرة.
أما أن صالح المذكور هو مؤسس مدينة كونبي صالح أو قولمبو فهو أمر لا اساس له فهذه المدينة بنيت قبل إسلام أهل غانة كما تحدث عنها أبو عبيد البكري القرطبي في كتابه المسالك والممالك في القرن الخامس قبل إسلام أهل غانه.
وأما القول إن صالحا المذكور أحد أجداد شرفاء تشيت فهو حكم متعسف عريق في الوهم والتدليس وليس له سند ولا مرجع إلا ورود اسم صالح في أجداد شرفاء تشيت كأن الله لم يخلق ممن يسمى صالحا إلا هذا الرجل وقد ذكرنا الاستاذ هنا بحكاية الاحمق الوضاع الذي قال ليحي بن معين وأحمد بن حنبل:” أتظنان أن الله لم يخلف ممن اسمه أحمد بن حنبل ويحي بن معين غيركما”.
إن النسب النبوي الشريف يجب على الأمة حفظه ونفي تحريف المدلسين وانتحال المبطلين عنه ،ومن المعلوم أن حفظ النسب على الجملة أحد قواعد الكليات الخمس التي أجمعت عليها الشرائع الربانية، خصوصا النسب النبوي الذي يجب حفظه عموما لما يترتب عليه من الأحكام الشرعية كما قال العلامة محمد عبد الله بن الإمام الجكني في نظمه لسلسلة نسب آل مولاي الزين :
فكم تعلق من الشريعة
بحفظ هذه النسبة الرفيعة
إذ يجب التعظيم والتوقير
لهم والاحترام والتعزير
والغض عن هفوة من منهم هفا
برا وتعظيما لخير مصطفى
وشدة التأديب في أذاهم
فوق الذي يجب في سواهم
وحرمة الزكاة إذ هي وسخ
وقدم السادة في المجد رسخ
فليس بالمصيب من يعلل
بالفيئ عند فقده يحلل
لأنه خلاف ما في مسلم
مما به يقنع كل مسلم
إن ما ذكره الأستاذ الكريم من نسبة أبناء الشريف عبد المؤمن إلى صالح الاخيضري ونفي نسبتهم إلى الادارسة هو من قبيل الطعن في النسب المحرم كتابا وسنة وإجماعا.
إذ من المعلوم أن شرفاء تشيت هم من أصح أهل هذه البلاد انتسابا إلى الادارسة وجدهم الشريف عبد المؤمن بن صالح بن عبد العلي بن جعفر بن إسحاق بن يحي بن مالك بن يوسف بن القاسم بن عبد الله بن إدريس الأصغر بن إدريس الأكبر بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي وابن البتول رضوان الله عليهم أجمعين.(انظر سلسلة نسبهم في كتاب فتح الشكور في علماء التكرور لمحمد بن أبي بكر الصديق الولاتي المتوفى سنة 1218هـ ص 95) وهذا النسب الذي توارثوه جيلا بعد جيلا ودونوه في كتبهم وتقاليدهم التي كتبت بعضها في القرن العاشر وتلاقاه العلماء بالقبول كصاحب فتح الشكور ومحمد يحي الولاتي الذي عقده في نظم مستقل ومعلوم أن هؤلاء الشرفاء من أعرق أهل هذه البلاد وأكثرهم علما وتمرسا بأسباب الحضارة ومقتضيات العمران،وهم مع ذلك في غاية الرفعة والشهرة بالنسب النبوي في جميع المواطن وقد اعترف لهم جميع سكان هذه البلاد عربا وعجما بيضا وسودا بذلك مما يجعل نسبهم في الذروة العليا من الصحة وقد قال الشيخ عبد القادر الفاسي في نوازله :
“إن المعول عليه في صحة الشرف إنما هو الشهرة والانتشار بين الجيل والجمع الغفير في أطراف البلاد وتلقي العلماء والعامة له بالقبول حتى يكون في حيز الاجماع المعصوم من الخطأ”.
وقد كان هؤلاء الشرفاء على ما هو معروف من توارث العلم والسيادة والإمامة في قريتهم تشيت منذ نحو 1000سنة، مع بعدهم عن الخمول وملكهم لأسباب الشهرة واعتنائهم بحفظ النسب ودأبهم على التوثيق مما جعل ذاكرتهم ومأثور هم التاريخي بسبب ذلك أثرى وأحفظ من كثير من غيرهم، وقد كتب علماؤهم تأليف عديدة جمعوا فيها أخبار سلفهم وسائر فروعهم على الجملة.
ثم إن نسبتهم إلى القاسم بن عبد الله بن إدريس من أصرح السلاسل وأصحها إذ لم يتطرق لها تلبيس ولا اختلاط ولا إعضال ولا انقطاع كما يقع كثيرا.
وقد اعترف لهم بالشرف جميع أهل الشوكة وقبائل العرب في جميع أنحاء موريتانيا فكانوا يحترمونهم ويهابون جنابهم ولا يعرف عن أحد من رؤساء العرب أنه أخذ من قوافلهم ضريبة مرور أو غفر ط مع أن قوافلهم كانت تجوب أطراف البلاد كل سنة من سبخة الجل في تيرس شمالا إلى بلاد “ماصه”(انيور) وسيكو في مالي جنوبا وهذا أمر لم يحصل لغيرهم من أهل هذه البلاد هذا مع تواتر الخبر عن العلماء العاملين الذين أدركوا روايات الأجيال السالفة كالشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيد المختار الكنتي في رسالته إلى هؤلاء الشرفاء والفقيه المؤرخ محمد صالح عبد الوهاب الناصري الذي يقول في إحدى فتاويه:”إن شرف هؤلاء الشرفاء مشهرو في سائر أنحاء هذه البلاد عربا وعجما وبيضانا وسودانا “
وكالشيخ سيديا باب والفقيه محمد يحي الولاتي وغيرهم .
إلى غير ذلك من الأدلة التي ترفع هذا النسب إلى حد التواتر المفيد للعلم القطعي الذي لا يسع إنكاره.
ولا أدل على عراقتهم وصحة ما توارثوه من أخبا رمن أن جدهم الأول الذي هو الشريف عبد المؤمن لم يزل بيت






















